دماء مرضى في دجلة تثير مخاوف من الأسماك.. ما حقيقة خطر انتقال فيروس نقص المناعة؟

حديث وزيرة البيئة عن مخلفات مستشفيات ودماء مرضى تصل إلى الأنهار أثار تساؤلات بشأن سلامة أسماك دجلة، لكن المراجع الطبية تحسم عدم انتقال فيروس نقص المناعة البشرية عبر الماء أو تناول السمك، فيما يبقى حجم التلوث الفعلي ومصادره بحاجة إلى نتائج فحوص منشورة.
تناولت 3 وسائل إعلام هذا الحدث: التغطية كاملة
أثار حديث وزيرة البيئة العراقية سروة عبد الواحد عن مخلفات مستشفيات ودماء مرضى تصل إلى الأنهار مخاوف بشأن سلامة الأسماك التي تصل إلى موائد العراقيين، لكن مراجعة أورنا للمراجع الطبية والبيانات الرسمية تظهر أن فيروس نقص المناعة البشرية لا ينتقل عبر تناول الأسماك أو شرب المياه، فيما تبقى طبيعة التلوث الذي يصل إلى نهر دجلة وحجمه موضع خلاف رسمي لم تحسمه نتائج تحاليل منشورة حتى الآن.
وتحدثت عبد الواحد في تصريحات متلفزة عن خشيتها من تناول الأسماك بعد اطلاعها، بحسب قولها، على ما يطرح في الأنهار من مخلفات مرتبطة بالمستشفيات ودماء مرضى قد يكون بينهم مصابون بفيروس نقص المناعة البشرية، وهو ما دفع إلى تداول تساؤلات عن إمكانية انتقال الفيروس إلى الإنسان عبر السمك.
لكن وزارة البيئة أصدرت في 11 تشرين الأول 2026 توضيحا فرقت فيه بين خطر التلوث البيئي وبين انتقال فيروس نقص المناعة البشرية.
وقالت الوزارة إن تحذير الوزيرة يتعلق بتصريف المخلفات الطبية والمياه الملوثة غير المعالجة من المستشفيات إلى نهر دجلة، لكنها أكدت أن الربط بين هذه المخلفات وإمكانية انتقال فيروس نقص المناعة البشرية عبر تناول الأسماك «غير دقيق علميا».
وأضافت أن الفيروس لا ينتقل عبر تناول الأسماك أو شرب المياه أو الأغذية، مشددة في الوقت نفسه على أن ذلك لا يلغي المخاطر الصحية والبيئية المحتملة للتلوث.
وتتفق هذه النقطة مع ما تنشره منظمة الصحة العالمية بشأن طرق انتقال الفيروس.
فالمنظمة توضح أن فيروس نقص المناعة البشرية ينتقل عبر سوائل جسدية محددة، بينها الدم والسائل المنوي والإفرازات المهبلية وحليب الأم، عندما تصل إلى الجسم بطريقة تسمح بحدوث العدوى، لكنها تؤكد أنه لا ينتقل عن طريق الطعام أو الماء أو المخالطة اليومية المعتادة.
وتوضح المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أيضا أن تناول الطعام ليس طريقا معتادا لانتقال فيروس نقص المناعة البشرية. والحالات المعروفة المرتبطة بالطعام كانت نادرة واستثنائية، وتضمنت اختلاط دم مباشر من فم مقدم رعاية بطعام ممضوغ مسبقا تناوله طفل صغير، وهي حالة مختلفة تماما عن سمكة تعيش في نهر ثم يجري صيدها وطهيها وتناولها.
وبناء على ذلك، لا يمثل تناول سمكة عاشت في مياه وصل إليها دم شخص يحمل فيروس نقص المناعة البشرية مسارا معروفا للإصابة بالفيروس.
كما أن وصف السمكة بأنها «مصابة بالإيدز» غير دقيق طبيا. فمتلازمة نقص المناعة المكتسب هي المرحلة الأكثر تقدما من العدوى بفيروس نقص المناعة البشرية لدى الإنسان، بحسب منظمة الصحة العالمية.
غير أن حسم مسألة انتقال فيروس نقص المناعة لا يعني أن تلوث مياه النهر آمن.
فإذا وصلت مياه صرف غير معالجة إلى مصادر المياه، فإن المخاطر الصحية المحتملة لا تقتصر على فيروس بعينه. وتقول منظمة الصحة العالمية إن المياه الملوثة ميكروبيا يمكن أن تنقل أمراضا من بينها الإسهال والكوليرا والزحار والتيفوئيد وشلل الأطفال، فيما قد يحتوي الغذاء الملوث بصورة عامة على بكتيريا وفيروسات وطفيليات أو مواد كيميائية ضارة.
ويمكن لبعض الملوثات الكيميائية الموجودة في البيئة المائية أن تتراكم داخل أجسام الكائنات الحية. وتوضح منظمة الأغذية والزراعة أن بعض المواد الكيميائية قد تتركز في أنسجة الأسماك عبر عمليتي التراكم والتركيز الحيوي، وتتفاوت مستوياتها بحسب طبيعة الملوث والسلسلة الغذائية والبيئة التي تعيش فيها الأسماك.
ولا يزيل الطهي بالضرورة جميع هذه الملوثات. وتوضح وكالة حماية البيئة الأميركية أن الطهي قد يقلل بعض الملوثات التي تتركز في الدهون إذا أزيل الجلد والدهن، لكنه لا يزيل الزئبق وبعض المعادن التي تتراكم في أنسجة السمك العضلية.
وهنا ينتقل الجدل من سؤال «هل ينتقل فيروس نقص المناعة عبر السمك؟» إلى سؤال آخر: ما الذي يصل فعليا إلى نهر دجلة؟
وزارة الصحة العراقية نفت في 11 تشرين الأول ما أثير بشأن طرح مؤسساتها مخلفات طبية في مياه الأنهار.
وقال المتحدث باسم الوزارة سيف البدر إن وحدات معالجة المياه الثقيلة التابعة للمؤسسات الصحية تعالج المخلفات السائلة والصلبة، وإن مياه الصرف تمر عبر شبكات المجاري الرئيسة باتجاه محطات المعالجة، موضحا أن مياه دائرة مدينة الطب في بغداد تتجه إلى محطة الرستمية.
وأضافت الوزارة أن محطة T1 الواقعة قرب مدينة الطب في باب المعظم، والتي تصرف المياه إلى نهر دجلة، تتبع أمانة بغداد وليست وزارة الصحة، مؤكدة أن مياه الصرف الصحي الناتجة عن مؤسسات الوزارة لا تذهب إلى هذه المحطة.
في المقابل، تمسكت وزارة البيئة في توضيحها بالتحذير من وجود تصريف لمياه ومخلفات طبية غير معالجة، وقالت إنها ستواصل كشف المخالفات البيئية ومحاسبة الجهات التي يثبت تسببها في الإضرار بالموارد المائية أو الصحة العامة.
وبذلك يبقى جانب أساسي من القضية غير محسوم في البيانات المنشورة: أين تقع المصبات التي تستند إليها وزارة البيئة في تحذيرها؟ وما الجهات التي تصرف إليها؟ وما كميات المياه المطروحة ومستوى معالجتها والملوثات الموجودة فيها؟
كما لم يتضمن توضيح وزارة البيئة المنشور نتائج تحاليل مخبرية لعينات من مياه دجلة أو الأسماك تثبت وجود فيروس نقص المناعة البشرية أو تحدد مستويات الملوثات الأخرى في المواقع محل الحديث. وفي المقابل، قدمت وزارة الصحة روايتها بشأن مسار مياه الصرف التابعة لمؤسساتها من دون أن يحسم ذلك الوضع في جميع المصبات الأخرى التي تصب في النهر.
لذلك لا تسمح البيانات المنشورة حتى الآن باعتبار حديث «دماء مرضى الإيدز في دجلة» دليلا مخبريا على تلوث الأسماك بالفيروس، مثلما لا تسمح بالحكم على جميع أسماك دجلة بأنها ملوثة أو غير صالحة للاستهلاك.
ويأتي الجدل بالتزامن مع استمرار مشكلات تصريف مياه الصرف في بغداد.
وقال مدير قسم التخطيط والمتابعة في دائرة مجاري بغداد فيصل غازي، في 12 تشرين الأول، إن أمانة بغداد تدرس توسعة محطة معالجة الصرف الصحي في البوعيثة بطاقة إضافية تبلغ 351 ألف متر مكعب يوميا، كما تستعد لتشغيل خمس محطات ضخ بعد إعادة تأهيلها، بهدف تحويل مياه الصرف إلى محطة المعالجة بدلا من طرحها في الأنهار ومجاري البزل القريبة.
ولا يثبت هذا التطور بحد ذاته الادعاء المتعلق بمخلفات المستشفيات، لكنه يؤكد وجود مشكلة أوسع تتعلق بمنع وصول مياه الصرف غير المعالجة إلى المجاري المائية.
وعليه، يمكن حسم جانب من القضية علميا: فيروس نقص المناعة البشرية لا ينتقل إلى الإنسان نتيجة تناول السمك لمجرد أنه عاش في مياه ملوثة بدم شخص يحمل الفيروس.
أما السؤال المتعلق بسلامة أسماك دجلة من أشكال التلوث الأخرى فلا يمكن الإجابة عنه بصورة عامة من خلال التصريحات وحدها.
وحسمه يتطلب نتائج مخبرية معلنة لعينات مأخوذة من المياه والأسماك في مواقع محددة، تشمل المؤشرات البكتيرية والملوثات الكيميائية والمعادن وغيرها، مع تحديد مكان وتاريخ أخذ العينات ومقارنتها بالحدود الصحية والبيئية المعتمدة.
وحتى 12 تشرين الأول 2026، لم تظهر في البيانات الرسمية التي راجعتها أورنا نتائج فحوص من هذا النوع تكفي للحكم على سلامة أسماك دجلة بصورة عامة.
خلاصة تحقق أورنا
لا يدعم العلم انتقال فيروس نقص المناعة البشرية عبر تناول أسماك دجلة، حتى في السيناريو الذي تصل فيه إلى المياه دماء شخص يحمل الفيروس. لكن هذه الحقيقة لا تنفي أخطار التلوث الأخرى المحتملة. وفي الوقت الذي تحذر فيه وزارة البيئة من تصريف مياه ومخلفات غير معالجة، تنفي وزارة الصحة تصريف مخلفات مؤسساتها إلى دجلة. وبين الروايتين، تبقى الحاجة إلى نتائج فحوص ميدانية منشورة هي الحلقة المفقودة في حسم حجم التلوث الفعلي وتأثيره في الأسماك وصحة السكان.



