العراق يخفض قيمة الدينار.. الحكومة تبحث عن الدنانير في سعر الدولار والمواطن يواجه فاتورة الأزمة

رفعت الحكومة العراقية السعر الرسمي للدولار إلى 1520 ديناراً للمستفيد النهائي، في خطوة تمنح الخزينة إيرادات أكبر بالدينار مقابل كل دولار نفطي، لكنها تثير مخاوف من ارتفاع أسعار السلع المستوردة وتراجع القوة الشرائية للمواطنين. وجاء القرار وسط ضغوط مالية وتراجع في الإيرادات النفطية، فيما واجه اعتراضات نيابية وسياسية واسعة ومطالبات باستدعاء وزير المالية ومحافظ البنك المركزي وشرح أسباب التحول المفاجئ بعد أسابيع من نفي وجود توجه لتغيير سعر الصرف.
بغداد – وكالة أورنا الإخبارية
دخل العراق، الأربعاء، مرحلة جديدة من أزمته المالية بعد أن قررت الحكومة رفع السعر الرسمي للدولار وخفض قيمة الدينار، في إجراء يمنح الخزينة كميات أكبر من العملة المحلية مقابل إيراداتها الدولارية، لكنه ينقل في الوقت نفسه جانباً من كلفة الأزمة المالية إلى الأسواق والأسر العراقية عبر ارتفاع أسعار الواردات وتآكل القوة الشرائية.
وبموجب القرار الذي دخل حيز التنفيذ في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أصبح البنك المركزي يشتري الدولار من وزارة المالية بسعر 1500 دينار، ويبيعه إلى المصارف بـ1510 دنانير، فيما حُدد سعر بيعه للمستفيد النهائي عند 1520 ديناراً للدولار، مقارنة بسعر رسمي سابق بلغ 1320 ديناراً للجمهور. وبذلك ارتفع السعر الرسمي للدولار بنحو 15 بالمئة دفعة واحدة.
القرار اتُخذ في جلسة مجلس الوزراء في السادس من تشرين الأول، بناء على عرض طارئ قدمه وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، وفق وثائق القرار، وهو تفصيل مهم لأنه يضع المسؤولية السياسية والمالية عن الخطوة على الحكومة والبنك المركزي معاً، وليس على تحركات السوق أو المضاربين وحدهم كما اعتادت السلطات القول في الأشهر الماضية.
ويثير القرار أسئلة تتجاوز الرقم الجديد لسعر الصرف؛ فالسلطات التي كانت تؤكد قبل أسابيع قليلة عدم وجود أي توجه لتغيير السعر انتقلت بصورة مفاجئة إلى خفض قيمة الدينار. ففي الخامس من أيلول/سبتمبر نفى البنك المركزي العراقي الأخبار المتداولة بشأن رفع سعر صرف الدولار، قائلاً إن الحديث عن توجه بهذا الاتجاه "لا أساس له من الصحة". وقبل ذلك، في حزيران/يونيو، وصف وثيقة تتحدث عن تغيير السعر إلى 1600 دينار بأنها مزورة ونفى بصورة قاطعة وجود نية للتعديل.
وفي 19 أيلول/سبتمبر، أي قبل أقل من ثلاثة أسابيع من القرار، أكد البنك المركزي أن لديه احتياطيات أجنبية كافية لتلبية الطلب المشروع على العملة، وعزا ارتفاع الدولار في الأسواق إلى المضاربات والتوقعات واستغلال الظروف الجيوسياسية. لكن البيان الجديد الصادر الأربعاء ربط تعديل السعر هذه المرة بـ"الظروف الاقتصادية والمالية الراهنة" ومتطلبات الموازنة، مع استمرار البنك في التأكيد أن احتياطياته تكفي لتلبية احتياجات التجارة الخارجية والبطاقات المصرفية والمسافرين.
وهذا التحول السريع في خطاب المؤسسة النقدية يضع مسألة الشفافية في صلب النقاش: فإذا كانت الاحتياطيات كافية، يصبح السؤال الأساسي ليس ما إذا كان العراق يمتلك دولارات، بل لماذا اختارت الحكومة معالجة ضغوط موازنتها عبر تخفيض قيمة الدينار، ومن سيتحمل الكلفة النهائية لذلك.
مالية عامة مضغوطة
تقول الحكومة والبنك المركزي إن تعديل السعر مرتبط بالظروف المالية والاقتصادية، في وقت تعاني فيه المالية العامة من تراجع الإيرادات النفطية واضطراب صادرات الخام نتيجة الحرب الإقليمية وتعطل طرق الشحن عبر الخليج ومضيق هرمز.
ووفق رويترز، تستهدف مسودة موازنة 2027 إنفاقاً يبلغ نحو 217 تريليون دينار، أي قرابة 166 مليار دولار، مع عجز يتجاوز 40 تريليون دينار، على أساس سعر نفط مفترض يبلغ 58 دولاراً للبرميل وصادرات تقترب من أربعة ملايين برميل يومياً.
لكن افتراضات الموازنة تأتي في ظرف استثنائي. وقالت رويترز إن اضطرابات الحرب خفضت صادرات العراق النفطية في آب/أغسطس إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً، مقارنة بأكثر من 3.6 ملايين برميل يومياً في فترات سابقة، وهو ما وضع الدولة الريعية أمام فجوة كبيرة بين إنفاقها والتدفقات الدولارية التي تعتمد عليها لتمويله.
وهنا تظهر الفائدة المالية المباشرة لخفض قيمة الدينار: فكل مليار دولار تحصل عليه وزارة المالية من بيع النفط كان يترجم إلى نحو 1.3 تريليون دينار بالسعر القديم، لكنه يولد الآن نحو 1.5 تريليون دينار وفق سعر شراء البنك المركزي الجديد. أي أن تغيير رقم سعر الصرف يزيد الإيرادات المحاسبية بالدينار من دون زيادة برميل واحد في الإنتاج أو إضافة دولار واحد إلى الإيرادات النفطية.
ووصف المحلل الاقتصادي العراقي محمد الصفار، في تصريحات نقلتها رويترز، تعديل السعر بأنه في جوهره استجابة مالية لصدمة الإيرادات النفطية؛ إذ يمنح الحكومة كمية أكبر من الدنانير مقابل كل دولار نفطي، لكنه في المقابل يرفع تكاليف الاستيراد ويقلص القوة الشرائية للأسر.
وهذه النقطة تمثل جوهر الجدل: الحكومة تحصل على متنفس مالي سريع، لكن جزءاً كبيراً من كلفته لا يظهر كبند ضريبي مباشر في الموازنة، وإنما يدفعه المستهلك لاحقاً في أسعار الغذاء والدواء والملابس والمواد الأولية والسلع المستوردة.
الأسواق سبقت السعر الرسمي
رد فعل السوق كان سريعاً وعنيفاً. فبعد إعلان القرار تجاوز الدولار في بعض التعاملات 170 ألف دينار لكل 100 دولار، ووصل في بعض الأسواق في أربيل والبصرة إلى مستويات قاربت 180 ألفاً، قبل أن تتراجع الأسعار قرب نهاية التداولات إلى نحو 167-168 ألف دينار في عدد من الأسواق.
وقالت وكالة أسوشيتد برس إن سعر السوق تجاوز 1700 دينار للدولار بعد الإعلان، وإن عدداً من محال الصرافة في شمال العراق أغلق مؤقتاً وسط الاضطراب، بينما أبدى تجار مخاوف من خسائر ناجمة عن الفارق بين التزاماتهم المقومة بالدولار ومستحقاتهم المقومة بالدينار.
كما نقلت وكالة فرانس برس أن القرار، وهو أول تعديل رسمي كبير لسعر الدولار منذ أكثر من ثلاثة أعوام، أثار استياء بين التجار والمواطنين، وسط تراجع إيرادات النفط وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وانخفاض احتياطيات العملات الأجنبية خلال الأزمة الإقليمية.
وبذلك لم يؤد رفع السعر الرسمي فوراً إلى إنهاء الفجوة مع السوق غير الرسمية، وهي إحدى الحجج التي تُستخدم عادة لتبرير تعديل أسعار الصرف. بل شهد اليوم الأول اتساعاً مؤقتاً للفارق، مدفوعاً بحالة الذعر وعدم اليقين وإعادة تسعير السلع والدولار.
البرلمان يتحرك
سياسياً، قوبل القرار باعتراضات واسعة داخل مجلس النواب، وتحولت جلسة البرلمان الأربعاء إلى جلسة تداولية لمناقشة سعر الصرف بعدما صوت النواب بالإجماع على تأجيل جدول الأعمال الأصلي ومناقشة تداعيات القرار.
ووجّه رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي باستضافة محافظ البنك المركزي ووزير المالية في جلسة الخميس لبحث أسباب رفع سعر صرف الدولار وتداعياته، بعد تحرك نيابي لجمع تواقيع لعقد جلسة طارئة.
ودعا النائب مقداد الخفاجي البرلمان إلى عقد جلسة طارئة وإلزام الحكومة بالتراجع عن القرار، قائلاً إن زيادة سعر الدولار ستضيف عبئاً جديداً على المواطن وتؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للموظفين وذوي الدخل المحدود.
أما النائبة ابتسام الهلالي فأعلنت رفضها قرار رفع سعر الصرف، وقالت إن الحكومة لو أرادت معالجة الأزمة المالية لكان من الممكن، بحسب رأيها، اعتماد سعر عند 1400 دينار أو أقل، محذرة من انتقال تأثير القرار سريعاً إلى أسعار المواد الغذائية والأسواق.
وطالب رئيس كتلة النهج الوطني حسن الأسدي الحكومة بإلغاء القرار، محذراً من أن الأضرار لن تقتصر على الفقراء ومحدودي الدخل وإنما ستطال الطبقة المتوسطة أيضاً، في موقف لخصه بالقول إن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تتم من "جيب المواطن".
كما قالت نائب رئيس اللجنة المالية البرلمانية إخلاص الدليمي إن اللجنة ترفض رفع سعر صرف العملة، في وقت يناقش فيه البرلمان مؤشرات موازنة 2027 وحجم الإيرادات والنفقات والعجز المتوقع.
وذهب نواب آخرون إلى التلويح بالاستجواب والمساءلة البرلمانية، معتبرين استخدام سعر الصرف لمعالجة عجز الموازنة "خطاً أحمر"، بينما قررت اللجنة المالية استضافة محافظ البنك المركزي للتقصي عن ملابسات القرار.
كذلك قال النائب عن ائتلاف دولة القانون عباس جبر العلياوي إن القرار جاء مفاجئاً بعد تطمينات رسمية بعدم المساس بسعر الصرف، وحذر من أن الأسواق شهدت ارتفاعات واسعة فور صدوره.
أما كتلة حزب الدعوة الإسلامية، فحذرت من أن تذبذب العملة وارتفاع الأسعار يخفضان القوة الشرائية ويمكن أن ينعكسا على الأوضاع السياسية والاجتماعية. وقال النائب أحمد المبرقع إن علاج الأزمة الاقتصادية ينبغي ألا يكون على حساب قدرة المواطن على تأمين احتياجاته، داعياً إلى معالجة الهدر والفساد وتنظيم الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي.
وفي بيان منفصل، قال حزب الدعوة إن العراق يواجه ظروفاً صعبة بسبب الحرب والعجز المالي، لكنه طالب بمعالجة أسباب الأزمة من جذورها وعدم تحميل المواطن كلفتها، مع الدعوة إلى ضبط الأسواق ومكافحة الاحتكار.
ماذا قالت الوكالات الدولية؟
قدمت رويترز القرار بوصفه خفضاً لقيمة الدينار بنحو 14.5 بالمئة مقارنة بالمستويات المرجعية السابقة، وربطته مباشرة بضغط تراجع الإيرادات النفطية واضطراب صادرات الخام وبالحاجة الحكومية إلى توليد دنانير إضافية لتمويل الإنفاق. كما أشارت إلى أن الخطوة سترفع كلفة الاستيراد وتضغط على القوة الشرائية.
أما أسوشيتد برس فركزت على أن تعطّل طرق تصدير النفط نتيجة الحرب أجبر العراق على استخدام بدائل أكثر كلفة وأقل كفاءة، وأن خفض قيمة العملة يساعد الدولة في الإنفاق المحلي لكنه يزيد بصورة مباشرة أسعار الواردات على المستهلكين.
وفي تغطيتها للقرار، ركزت فرانس برس على الأزمة الأوسع التي يواجهها الاقتصاد العراقي، من انخفاض صادرات النفط والاقتراض الداخلي إلى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وتراجع الاحتياطات الأجنبية، ونقلت حالة القلق بين المواطنين والتجار.
كما نقلت وكالة الأنباء الأردنية عن بلومبرغ أن خفض قيمة العملة بلغ نحو 13 بالمئة في ظل الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد العراقي بسبب تعطل صادرات النفط المرتبطة بأزمة مضيق هرمز.
أزمة إدارة مالية أم أزمة دولار؟
الجدل الدائر في العراق لا يتعلق فقط بما إذا كان سعر 1520 ديناراً مناسباً من الناحية النقدية، بل بما إذا كانت الحكومة تستخدم سعر الصرف لمعالجة اختلالات مالية تراكمت بفعل ارتفاع الإنفاق التشغيلي والاعتماد شبه الكامل على النفط.
فالخفض يمنح الخزينة فوراً إيرادات أكبر بالدينار، لكنه لا يخفض عدد موظفي الدولة، ولا يقلص الهدر، ولا يزيد الإيرادات غير النفطية من تلقاء نفسه، ولا يبني قطاعاً إنتاجياً قادراً على تقليل الاستيراد.
وفي اقتصاد يعتمد بشدة على السلع المستوردة، لا يبقى انخفاض قيمة الدينار محصوراً في شاشات الصرافين. المستورد الذي يحتاج إلى دولارات أكثر ثمناً يعيد احتساب كلفة بضاعته، وتتحول الزيادة تدريجياً إلى أسعار المستهلك النهائي. لذلك فإن الضرر يكون أكبر نسبياً على أصحاب الدخول الثابتة الذين يحصلون على رواتبهم بالدينار ولا ترتفع دخولهم تلقائياً مع سعر الدولار.
وتمنح هذه الآلية الدولة نوعاً من الإيراد غير المباشر على حساب القيمة الحقيقية للأجور والمدخرات المقومة بالدينار، وهو سبب الحساسية السياسية الكبيرة التي أحاطت بالقرار منذ ساعاته الأولى.
التناقض الذي ستضطر الحكومة إلى شرحه
وأمام الحكومة والبنك المركزي الآن أكثر من سؤال يحتاج إلى إجابة واضحة أمام البرلمان والرأي العام.
فبعد أشهر من النفي والتأكيد على متانة الاحتياطيات واستقرار السعر، ينبغي توضيح ما الذي تغير تحديداً، وما حجم الفجوة المالية التي استدعت خفض قيمة الدينار، وكم تتوقع الدولة أن توفر من الدنانير نتيجة القرار، وما الإجراءات التي ستتخذها لمنع انتقال كامل الزيادة إلى أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية.
كما سيكون على الحكومة أن توضح لماذا اختارت سعر 1500-1520 تحديداً، وما إذا كان مؤقتاً مرتبطاً بالأزمة الإقليمية أم جزءاً من سياسة طويلة المدى، وما مستوى سعر السوق الذي تعتبره السلطات مقبولاً.
وفي المصادر المفتوحة التي راجعتها وكالة أورنا حتى مساء الأربعاء، لم يظهر تصريح تفصيلي مستقل لرئيس الوزراء يشرح للرأي العام الكلفة المتوقعة للقرار على المواطنين أو البدائل التي درستها الحكومة قبل اللجوء إلى خفض قيمة العملة، في حين صدر التفسير الأساسي من البنك المركزي ووزارة المالية ووثيقة مجلس الوزراء.
ومن المنتظر أن تتحول جلسة استضافة وزير المالية ومحافظ البنك المركزي في البرلمان إلى أول اختبار جدي للرواية الحكومية: هل كان خفض الدينار ضرورة فرضتها صدمة خارجية لا تملك بغداد السيطرة عليها، أم أنه حل سريع لعجز مالي ساهمت سياسات الإنفاق الداخلي في تعميقه؟
وفي الحالتين، تبقى النتيجة المباشرة واحدة بالنسبة للمواطن العراقي: الدولار أصبح أغلى رسمياً، والسوق أعاد تسعير نفسه فوراً، بينما لم ترتفع الرواتب والدخول بالنسبة نفسها.





