العراق يتجه إلى صندوق النقد.. ما الذي نعرفه عن التمويل والشروط؟

طلب العراق برنامجاً جديداً من صندوق النقد الدولي، لكن قيمة التمويل وفائدته وشروطه لم تُعلن بعد. فما الذي نعرفه عن البرنامج، وما الإصلاحات التي قد تدخل في المفاوضات؟
طلب العراق الدخول في برنامج مع صندوق النقد الدولي، بحسب ما أعلنته مديرة الصندوق كريستالينا جورجيفا في 17 تشرين الأول.
لم تُعلن حتى الآن قيمة التمويل أو نوع البرنامج أو فائدته أو الشروط التي ستلتزم بها بغداد.
يأتي الطلب بعد تسعة أيام من قول رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أمام مجلس النواب إن الحكومة لا تريد اللجوء إلى الاقتراض حتى لا تزيد أعباء الاقتصاد.
توصيات الصندوق السابقة للعراق شملت ضبط فاتورة الأجور والتعيينات، وإصلاح نظام التقاعد، وتحسين استهداف البطاقة التموينية، وإصلاح جباية وتسعير الكهرباء.
هذه التوصيات ليست شروطاً متفقاً عليها للبرنامج الجديد حتى الآن.
بغداد – أورنا
طلب العراق الدخول في برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي، في وقت لم تعلن فيه الحكومة بعد تفاصيل التمويل أو الشروط التي يمكن أن ترافقه.
وقالت المديرة العامة للصندوق كريستالينا جورجيفا، في ختام الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك يوم 17 تشرين الأول، إن السلطات العراقية طلبت برنامجاً، وإن الصندوق سيقدم للعراق دعماً «بالمال والسياسات». وأكدت أن المؤسسة تعتزم دعم العراق بقوة.
لكن إعلان جورجيفا لم يتضمن قيمة التمويل أو نوع البرنامج أو فائدته أو مدته.
وحتى 23 تشرين الأول، لا تعرض صفحة العراق لدى صندوق النقد الدولي اتفاقاً جديداً وافق عليه المجلس التنفيذي، كما لا يظهر إعلان عن اتفاق على مستوى الخبراء.
وهذا يعني أن طلب البرنامج مؤكد، لكن القرض وشروطه النهائية لم تُحسم بعد.
ماذا قالت الحكومة؟
قبل إعلان الصندوق بثلاثة أيام، اجتمع وزير المالية فالح ساري في بانكوك مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور، بحضور محافظ البنك المركزي.
وقالت وزارة المالية إن الوزير عرض خلال الاجتماع الضغوط المالية التي يواجهها العراق، وإن أزعور أبدى استعداد الصندوق لدعم البلاد في مواجهة أزمتها المالية الناجمة عن التوترات الإقليمية.
لكن بيان الوزارة لم يذكر طلب قرض أو قيمة تمويل أو شروط برنامج.
وبعد إعلان جورجيفا، لم تنشر وزارة المالية حتى الآن تفاصيل البرنامج الذي طلبه العراق.
ومن داخل البنك المركزي، قال المستشار محمود داغر إن لجوء العراق إلى الصندوق حق له بصفته دولة عضواً، وإن الاقتراض يرتبط باتفاق على إصلاح السياسات الاقتصادية.
وقال داغر، في مقابلة نقلتها شبكة 964، إن الصندوق سيناقش مع العراق حجم الإنفاق العام وفاتورة الموازنة التشغيلية والرواتب، مضيفاً أن الصندوق «ليس جمعية خيرية».
وقدّر داغر فائدة التمويل بأقل من 1%، لكن الصندوق لم يعلن سعر فائدة للبرنامج العراقي، كما أن كلفة قروض صندوق النقد تختلف بحسب الأداة المستخدمة وحجم التمويل ومدة البرنامج.
ماذا قال رئيس الوزراء قبل طلب البرنامج؟
يبرز طلب البرنامج لأنه جاء بعد أيام قليلة من حديث مختلف لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي عن الاقتراض.
ففي 8 تشرين الأول، قال الزيدي أمام مجلس النواب إن الحكومة واجهت ثلاثة خيارات لمعالجة الأزمة المالية: الادخار الإجباري، أو توزيع الرواتب كل 45 يوماً، أو اللجوء إلى الاقتراض وزيادة ديون البلاد.
وقال الزيدي، في تصريح نشره مكتبه الإعلامي: «لا نريد الاقتراض كي لا نتسبب بالمزيد من إرهاق الاقتصاد».
وفي الجلسة نفسها قال إن الدين العام كان يتجاوز 208 تريليونات دينار عند توليه رئاسة الحكومة، وإن الدولة تحتاج إلى توفير نحو 10 تريليونات دينار شهرياً.
وجاءت هذه التصريحات بعد قرار الحكومة تغيير السعر الرسمي للدولار، الذي أصبح 1520 ديناراً للمستفيد النهائي ابتداءً من 7 تشرين الأول.
لذلك يطرح طلب برنامج من صندوق النقد سؤالاً لم تجب عنه الحكومة علناً حتى الآن: ما الذي تغيّر بين رفض الاقتراض في 8 تشرين الأول وطلب برنامج من الصندوق الذي أعلن في 17 تشرين الأول؟
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الطلب اتُّخذ خلال هذه الأيام التسعة؛ إذ لم تعلن الحكومة تاريخ تقديمه إلى الصندوق.
هل يعرف البرلمان التفاصيل؟
تقول اللجنة المالية النيابية إنها لا تملك حتى الآن جميع التفاصيل.
وقالت عضو اللجنة ديلان غفور لصحيفة الصباح إن العراق تقدم بالفعل بطلب للدخول في برنامج مع صندوق النقد، وإن اللجنة تعتزم استضافة المسؤولين عن الملف للحصول على تفاصيل إضافية.
وفي المقابل، قال عضو اللجنة باقر الياسري للصحيفة إن اللجنة لم تُفاتح مسبقاً بموضوع الاقتراض ولم يؤخذ رأيها فيه.
ولم يعلن حتى الآن موعد الاستضافة النيابية أو ما إذا كان الاتفاق النهائي، إذا تم التوصل إليه، سيحتاج إلى إجراء تشريعي محدد داخل مجلس النواب.
هل قيمة البرنامج 5.4 مليارات دولار؟
لا يوجد رقم رسمي حتى الآن.
رقم 5.4 مليارات دولار المتداول في وسائل الإعلام جاء من تقدير للخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، وليس من صندوق النقد أو الحكومة.
وقال المرسومي لـصحيفة المدى إن العراق دخل مفاوضات أولية بشأن تمويل قد يصل إلى 5.4 مليارات دولار، وقدّر الفائدة بنحو 1.25%.
لكن جورجيفا لم تذكر أي مبلغ، كما لم تعلن وزارة المالية أو صندوق النقد هذه الأرقام.
لذلك لا يمكن التعامل مع 5.4 مليارات دولار بوصفها قيمة القرض المتفق عليها.
ما علاقة موازنة 2027؟
يأتي التوجه إلى صندوق النقد بينما لم تصل موازنة 2027 إلى مجلس النواب حتى الآن.
وقال النائب خالد سيدو عزير لـالمدى في 20 تشرين الأول إن مشروع الموازنة ما يزال قيد الإعداد والمراجعة لدى الحكومة ووزارة المالية.
في المقابل، نشر المرسومي أرقاماً قال إنها أولية للموازنة، تتضمن نفقات تبلغ نحو 217.2 تريليون دينار وإيرادات بنحو 174.2 تريليوناً، بعجز يقترب من 43 تريليون دينار.
وفي تقديرات لاحقة قال إن نحو 38 تريليون دينار، أي قرابة 88% من هذا العجز، يمكن أن يُغطى بالاقتراض الداخلي والخارجي.
لكن هذه الأرقام ليست موازنة نهائية منشورة من الحكومة.
ولهذا لا يمكن تحديد مقدار قرض الصندوق الذي قد يدخل ضمن تمويل موازنة 2027 قبل إعلان تفاصيل البرنامج ومشروع الموازنة رسمياً.
هل قرض صندوق النقد مخصص للمشاريع؟
قال عضو اللجنة المالية جمال كوجر لـالمدى إن صندوق النقد لا يمول الرواتب وإن التمويل يذهب إلى المشاريع والجوانب الاقتصادية.
لكن وصف تمويل الصندوق بأنه قرض للمشاريع لا يتفق بدقة مع الطريقة التي يشرح بها الصندوق عمله.
يقول صندوق النقد الدولي في شرحه الرسمي لعمليات الإقراض إنه، بخلاف بنوك التنمية، لا يقرض الدول لتنفيذ مشاريع محددة.
وتهدف برامج الصندوق عادة إلى مساعدة الدول على معالجة مشكلات ميزان المدفوعات وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، ويمكن أن يتيح التمويل للحكومة مساحة مالية أوسع أثناء تنفيذ برنامج إصلاح.
وقال الباحث الاقتصادي جليل اللامي لـالمدى إن قروض الصندوق تختلف عن القروض المخصصة لبناء محطات الكهرباء أو الطرق والمستشفيات، وتُستخدم عادة لدعم الاستقرار المالي والنقدي ومعالجة الاختلالات الاقتصادية.
لذلك فإن معرفة أين سيظهر أثر التمويل في موازنة العراق تعتمد على نوع البرنامج الذي ستتفق عليه بغداد مع الصندوق، وهو أمر لم يُعلن بعد.
ماذا قد يعني البرنامج للمواطن؟
لم تُعلن شروط البرنامج الجديد، ولذلك لا يمكن القول إن الصندوق طلب من الحكومة حتى الآن خفض البطاقة التموينية أو رفع الكهرباء أو تقليل الرواتب.
لكن يمكن معرفة نوع الإصلاحات التي سبق للصندوق أن أوصى بها العراق.
ففي آخر تقييم دوري للعراق، الصادر في تموز 2025، أوصى صندوق النقد الدولي بإصلاحات تشمل ضبط فاتورة أجور القطاع العام والحد من التعيينات الإلزامية، وتحسين استهداف نظام البطاقة التموينية والانتقال تدريجياً إلى شبكات حماية نقدية أكثر استهدافاً.
كما أوصى بإصلاح نظام التقاعد، بما في ذلك رفع سن التقاعد وتعديل بعض المنافع، وتحسين جباية أجور الكهرباء قبل التحرك نحو تعرفات تعكس الكلفة، مع توفير دعم موجه للأسر ذات الدخل المنخفض.
لكن هذه كانت توصيات صدرت في 2025 قبل طلب البرنامج الحالي، وليست دليلاً على أن العراق وافق عليها كشروط للقرض الجديد.
أما المرسومي فتوقع أن تتضمن المفاوضات ضغط النفقات وتقليص دعم البطاقة التموينية وزيادة جباية الكهرباء. وهذه توقعات خبير وليست شروطاً معلنة من صندوق النقد.
هل كل برنامج مع الصندوق يأتي بشروط؟
في معظم برامج التمويل، نعم، لكن طبيعتها تختلف من برنامج إلى آخر.
يشرح صندوق النقد الدولي أن الدولة التي تطلب الدعم تناقش مع موظفيه وضعها الاقتصادي واحتياجاتها التمويلية، ثم يمكن التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء يتضمن سياسات وإجراءات مرتبطة بالبرنامج.
ولا يصبح الاتفاق نهائياً بمجرد التوصل إليه مع الموظفين؛ إذ يحتاج بعد ذلك إلى موافقة المجلس التنفيذي للصندوق.
وقد تشمل البرامج أهدافاً كمية وإجراءات إصلاحية ومراجعات دورية قبل صرف أجزاء لاحقة من التمويل.
لكن العراق لم يصل، في المعلومات المنشورة حتى 23 تشرين الأول، إلى مرحلة إعلان اتفاق على مستوى الخبراء أو برنامج وافق عليه المجلس التنفيذي.
ماذا حدث في تجربة العراق السابقة؟
آخر برنامج تمويلي كبير للعراق مع الصندوق كان اتفاق الاستعداد الائتماني الذي أقره المجلس التنفيذي في تموز 2016 بقيمة تقارب 5.34 مليارات دولار.
وتشير بيانات الصندوق إلى أن العراق سحب نحو 2.1 مليار دولار من ذلك البرنامج.
وقال محمود داغر إن البرنامج السابق تعثر بعدما لم يواصل العراق تطبيق وثيقة إصلاح السياسات بعد تغيير الحكومة.
وتوضح هذه التجربة أن المبلغ الذي يوافق عليه صندوق النقد لا يعني بالضرورة أن الدولة ستحصل عليه كاملاً؛ فصرف الشرائح اللاحقة يمكن أن يرتبط بمراجعات تنفيذ البرنامج.
ما لا يزال مجهولاً؟
نوع البرنامج: لم يعلن صندوق النقد الأداة التمويلية التي طلبها العراق.
قيمة التمويل: لا يوجد حتى الآن رقم رسمي، ورقم 5.4 مليارات دولار مجرد تقدير متداول.
الفائدة: لم تعلن رسمياً، ولا يمكن تثبيت نسبة 1% أو 1.25% قبل معرفة نوع التمويل وشروطه.
الشروط: لم ينشر الصندوق أو الحكومة وثيقة تحدد الإصلاحات التي سيلتزم بها العراق.
مدة البرنامج: غير معلنة.
موعد الاتفاق: لا يوجد حتى الآن إعلان عن اتفاق على مستوى الخبراء أو موعد لعرض برنامج عراقي على المجلس التنفيذي للصندوق.
استخدام التمويل: لم تعلن الحكومة كيف سينعكس البرنامج على موازنة 2027 أو احتياجاتها التمويلية.
موقف الحكومة من التناقض الظاهر: لم توضح الحكومة حتى الآن كيف يتفق طلب البرنامج مع تصريح رئيس الوزراء في 8 تشرين الأول بأنه لا يريد زيادة الاقتراض.





